جان لوئيس بوركهارت
334
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
أنه رأى في أثناء صعوده الوادي قردا بين الشجر ، وقيل لي إن القردة ليست نادرة هنا ، وإنها تكثر في الدرب الغربى الواصل إلى سواكن وهو واقع على سلسلة الجبال نفسها . ورأينا غزلانا وأرانب جبلية ، أما الهجير الذي كاد يزهق أرواحنا ونحن نقطع السهل السفلى الذي تكتنفه الجبال العالية ، فقد استحال في هذا الموضع زمهريرا فأضرمنا نيرانا ، ولم نذق للكرى طعما أكثر الليل خوفا من سطو اللصوص علينا . وقد قتلت عقربا وجدته بجوار ناري . 20 يونيو - كانت أعلى قنن الجبل تقع على نحو ثلاثمائة قدم من المرتفع الذي خيمنا فيه . وفي موسم المطر تنهمر السيول من صخورها الوعرة القائمة إلى هذه الهضبة متخللة آلاف الشقوق التي في الصخور ، ثم تنقسم إلى شعبتين ، فسيل يندفع إلى السهل الشمالي وآخر إلى الجنوبي . وقد سلكنا في هبوطنا هذا الصباح قاع السهل الشمالي ، ولم يكن المنحدر وعرا كالمرتقى . وذكرني جو هذا الجبل بجو وديان لبنان ، وبعث هواء الصبح المنعش في جسدي كله من العافية والنشاط ما لم أحسه مذ غادرت بلاد الشام . وكنا طوال هبوطنا نصادف أشجارا في الطريق . وبعد أربع ساعات وقفنا ببقعة يتسع فيها الوادي اتساعا كبيرا ، وهنا وجدنا بين الصخور القاحلة كلأ نضيرا ودوما كثيرا وبعض ماء في بركة ضحلة . وكان منظر الوادي كله غاية في الروعة والجمال ، أو قل إنه يبدو على أي حال رائعا جميلا للمسافر إذ تقع عينه بعد قطعه الصحراء على بقعة خضراء فيبتهج لمرآها كأنها جنة من جنات عدن . ومرت بنا قافلة صغيرة محملة ملحا ، وكانت قد غادرت سواكن قاصدة التاكة قبل ستة أيام . وتتصل بقاع السيل الكبير وديان جانبية كبيرة كلها حافل بالشجر . وبعد أن استأنفنا المسير واصلنا الهبوط في بطء شديد زهاء ساعتين ، ثم خرجنا إلى سهل فسيح اندمج فيه الوادي . وأصبح طريقنا بعد ذلك فوق أرض مضرسة محصبة ( وكان اتجاهنا الآن للشمال الشرقي بانحراف نصف درجة إلى الشمال ) ثم حططنا لنبيت بعد أن قطعنا في يومنا هذا تسع ساعات ونصف . وكانت سلسلة الجبال تمتد عن يميننا وعن يسارنا . أما في اليمين فاتجاهها جنوبي شرقي . وأما في اليسار فتتفرع فرعين ، يمتد أحدهما غربا وينتهى في الصحراء ، ويمتد الثاني شمالا